المقال بواسطة/ رحاب العبد
تصميم ومراجعة/ دينا الطويلة
مسجد الحاكم بأمر الله هو رابع أقدم المساجد الجامعة الباقية في مصر، وثاني أكبر جوامع القاهرة اتساعاً بعد جامع أحمد بن طولون
من أهم المنعطفات التاريخية في تاريخ المسجد
شهد جامع الحاكم بأمر الله بالقاهرة تحولات تاريخية دراماتيكية غيرت وظيفته من مركز ديني وعلمي فاطمي إلى كنيسة، وثكنة عسكرية، ومتحف، وصولاً إلى ترميمه الشامل كأحد أهم المساجد الأثرية.
المسجد له عدة أسماء مثل
جامع الخطبة
جامع الأنور
الجامع الحاكمي
الموقع
يقع المسجد في نهاية شارع المعز لدين الله الفاطمي وهو ملاصق تماماً لـباب الفتوح وسور المدينة الشمالي في حي الجمالية بالقاهرة.
الأهمية التاريخية للجامع
1- مسجد الحاكم بأمر الله هو رابع أقدم المساجد الجامعة الباقية في مصر
2- ثاني أكبر جوامع القاهرة اتساعاً بعد جامع أحمد بن طولون
3- يُمثّل المسجد تحفة معمارية نادرة تعود إلى العصر الفاطمي
نبذة تاريخية عن المسجد
البداية
أمر بإنشائه الخليفة الفاطمي الخامس العزيز بالله عام 380هـ / 990م لعدم اتساع جامع الأزهر للمصلين.
الافتتاح
توفي العزيز بالله قبل إتمامه، فأكمله ابنه الخليفة السادس الحاكم بأمر الله وافتتحه رسمياً عام 403هـ / 1013م.
لذا نسب إليه وصار يعرف بجامع الحاكم.
تغيير موقعه الجغرافي
(480 هـ / 1087 م)
عند بنائه كان المسجد يقع خارج أسوار القاهرة التي شيدها جوهر الصقلي، ولكن عندما قام وزير الخليفة المستنصر بالله "بدر الجمالي" بتوسيع المدينة وبناء الأسوار الجديدة، أصبح المسجد داخل حدود القاهرة ملاصقاً لباب الفتوح.
التصميم والخصائص المعمارية
يتميز مسجد الحاكم بأمر الله بتصميم داخلي واسع ومستطيل يبلغ طوله نحو 120.5 متر وعرضه 113 متر.
يتوسطه صحن مكشوف وضخم محاط بأربعة أروقة (ظلات)، أعمقها رواق القبلة
وتعتمد عقود الأروقة على دعائم ضخمة من الآجر (الطوب الأحمر) مع أعمدة مدمجة في أركانها على طراز جامع ابن طولون.
الصحن المكشوف فى الوسط
الصحن المكشوف في جامع الحاكم بأمر الله هو الفناء الأوسط الواسع المفتوح للسماء.
ـ وتبلغ أبعاده نحو 66 متراً طولاً و38 متراً عرضاً. تحيط به أربع أروقة أو ظلات.
ـ و يتوسط المسجد تماماً ويسمح بدخول النور والهواء إلى الأروقة المحيطة.
ـ وتزين جوانبه العرائس الحجرية الفاطمية التي تتخللها أشعة الشمس لتضفي طابعاً روحانياً فريداً.
ـ واتخذه الأثريون قديماً مكاناً لعرض الآثار والتحف الإسلامية قبل نقلها للمتحف المتخصص، فهنا كان نواة متحف الفن الإسلامي.
أروقة الجامع
الأروقة هي الفراغات المعمارية المسقوفة المعزولة بصفوف من العقود (الأقواس)، والتي تحيط بالصحن المكشوف للمسجد
حيث تتميز أروقة الجامع الحاكم بأمر الله بتصميم هندسي فريد يعكس ضخامة العمارة الفاطمية
التخطيط العام للأروقة
يتكون المسجد من أربعة أروقة تحيط بصحن مكشوف مستطيل الشكل.
وتختلف في عدد صفوفها واتساعها بين الإيوانات الأربعة، حيث يضم إيوان القبلة خمسة أروقة بينما يضم كل إيوان جانبي ثلاثة أروقة ،و مبنية بالكامل من الطوب الآجر وترتكز جميع عقودها على دعائم وأكتاف ضخمة.
رواق القبلة
(الرواق الجنوبي الشرقي)
هو أكبر الأروقة وأعمقها، ويتألف من خمسة أروقة متوازية، ويحتوي كل رواق على 17 عقدًا حجريًا أو من الآجر.
الرواق المقابل للقبلة
(الشمالي الغربي )
يتكون من رواقين اثنين فقط، ويحتوي كل رواق على 17 عقدًا.
الرواقان الجانبيان
(الجنوبي الغربي والشمالي الشرقي)
يتكون كل منهما من ثلاثة أروقة تحيط بالصحن
أهم المميزات المعمارية للأروقة
الدعامات المشيدة
لا ترتكز العقود في الأروقة على أعمدة رخامية كالمعتاد في المساجد الأخرى، بل ترتكز على دعامات مستطيلة ضخمة من الآجر (الطوب الحجرى)، ويوجد في أركان كل دعامة أعمدة مدمجة (ممتصة) تزيد من متانتها.
العقود المدببة
(العقود المدببة وهي تشبه حدوة الفرس وتعد من أوائل النماذج لهذا الطراز في مصر
تسمى العقود التي تربط بين الدعامات بالعقود الفاطمية
المجاز القاطع
يقطع رواق القبلة في المنتصف ممر متسع عمودي يمتد من الصحن مباشرة حتى المحراب، ويسمى "المجاز"، وهو مسقوف ومزين بزخارف جصية وكوفية بديعة، وتعلوه ثلاث قباب (واحدة فوق المحراب واثنتان في أركان جدار القبلة).
الأسقف والزخار
كانت الأسقف الأصلية للأروقة مصنوعة من خشب الساج وتتميز ببساطتها، وتزدان نهايات الجدران وأعالي العقود بأشرطة كتابية من الخط الكوفي المحفور في الجص، تحتوي على آيات قرآنية وتاريخ عمارة المسجد.
المدخل التذكاري البارز
يعد المدخل التذكاري البارز لجامع الحاكم بأمر الله أقدم مدخل تذكاري بارز في العمارة الإسلامية بمصر
استلهم الفاطميون فكرته من مساجد شمال إفريقيا (مثل المهدية وسوسة في تونس).
ويبرز عن الواجهة الشمالية الغربية بنحو 6 أمتار ليستقر بين المئذنتين الشهيرتين
فهويقع في منتصف الواجهة الشمالية الغربية المطلة على شارع المعز لدين الله
يبرز عن خط الجدار الخارجي بمسافة تقارب 6 أمتار، ويبلغ ارتفاعه نحو 11 متراً وطوله 15.5 متراً.
يغطي ممر المدخل من الداخل قبو أسطواني الشكل.
ينتهي الممر بباب عرضة يقارب 2.2 متر.
تزين جانبي المدخل من اليمين واليسار نقوش وزخارف دقيقة وحشوات غائرة متميزة.
الجدران الخارجية
الجدران الخارجية مصممة بقوة وصلابة تشبه أسوار القلاع والحصون القديمة
يدمج البناء بين الطوب الأحمر (الآجر) والأحجار الضخمة التي أضيفت لاحقاً لتدعيم القواعد
المئذنتان
يتميز بوجود مئذنتين فريدتين
تبدو المئذنتان كأنهما محبوسستان داخل أبراج مربعة ضخمة ومصمتة في جزءيهما السفليين
موقع المأذنتان
تقعان في ركني الواجهة الشمالية الغربية للمسجد.
التصميم الفريد
تتألف كل مئذنة من قاعدة مربعة ضخمة يعلوها بدن متدرج (شكل مكعبين مدرجين)
تفاصيل البناء والترميم التاريخي للمآذن
البناء الفاطمي الأصلي
(الحاكم بأمر الله)
أمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بتشييد المئذنتين في ركني الجامع عام 393 هـ
وبعد عدة سنوات، أمر ببناء القواعد الحجرية الهرمية الضخمة
(الأسوار الحجرية المكعبة الخارجية)
المحيطة بالمآذن لإخفائها وتقويتها.
الترميم المملوكي
(بيبرس الجاشنكير)
في عام 1303م (702 هـ)، تعرضت مصر لزلزال مدمر أدى إلى سقوط قمتي المئذنتين وتصدعهما.
تولى الأمير المملوكي (الذي أصبح سلطاناً لاحقاً) بيبرس الجاشنكير مهمة تجديد الجامع وتدعيم المآذن، فأعاد بناء الطوابق العلوية والقمم من الطوب الأحمر (الآجر) على الطراز المملوكي المعروف بشكل "المبخرة"، وهي القمم الباقية حتى يومنا هذا.
قمم المبخرة
تنتهي المئذنتان بقمتين مضلعتين تشبهان "المبخرة"، وهي إضافة معمارية تعود للتجديدات المملوكية بعد زلزال عام 702 هـ.
الزخارف
يتميز جامع الحاكم بأمر الله في القاهرة بنقوشه وزخارفه الفريدة التي تمثل مرحلة انتقالية مبكرة في العمارة الفاطمية، حيث يجمع بين:
الخطوط الكوفية البارزة
انتشرت الأشرطة الكتابية بخط كوفي مزهر وبديع تحت السقف وعلى أبدان المئذنتين.
والزخارف النباتية والهندسية الدقيقة
وتمثلت فى أوراق العنب وسعف النخيل وأشكال الزهور التى تحتت بطريقة تجريدية.
الحفر المشطوف
ظهر بوضوح في العناصر الجصية الخشبية والحجرية المبكرة متأثراً بالأساليب الفاطمية والطولونية الذي يعكس روعة الفن الإسلامي القديم.
زخارف المدخل
تحيط بالمدخل الرئيسي زخارف حجرية ونباتية دقيقة يرتفع بعضها لأكثر من متر ونصف.
الأدعية والنصوص
طبيعة النقوش والكتابات في الجامع
نصوص قرآنية
تتركز الكتابات الأثرية على الواجهات والمآذن وجدران القبلة في مسجد الحاكم بأمر الله من آيات الذكر الحكيم مثل آيات سورة الأعراف.
نصوص تأسيسية
توثق تواريخ البناء وأسماء الخلفاء الذين شاركوا في إنجازه بين عامي 380هـ و403هـ.
نوافذ الجامع
تتميز نوافذ جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي بتصميم معماري فريد يعتمد على التناظر الهندسي الدقيق
تقع كل نافذة من نوافذ المسجد على محور كل عقد (قوس) مباشرة
التوزيع العددي للنوافذ الأصلية
ـ يحتوي كل حائط جانبي على 16 نافذة.
ـ إيوان القبلة والحائط المقابل
يحتوي كل منهما على 17 نافذة.
ـ الحائط الخلفي لإيوان القبلة
يضم نافذتين على يسار المحراب، وتزدان بزخارف نباتية متداخلة
المآذن والقبة
صُممت نافذة في كل مئذنة، بالإضافة إلى نوافذ صغيرة متبقية في القبة التي تعلو المحراب لتمرير الضوء.
التغييرات التاريخي
تعرضت النوافذ لتغييرات جذرية عبر العصور
ـ حيث سُدّت جميع نوافذ الجدار الشرقي بالكامل عندما قام الوزير بدر الجمالي ببناء سور القاهرة الجديد ملاصقاً لهذا الجدار.
ـ كما ساهم زلزال عام 1303م في تدمير أجزاء واسعة من الإيوانات والنوافذ قبل أن يتم ترميمها لاحقاً.
تحولات عبر التاريخ
شهد جامع الحاكم بأمر الله بالقاهرة تحولات تاريخية دراماتيكية غيرت وظيفته من مركز ديني وعلمي فاطمي إلى كنيسة، وثكنة عسكرية، ومتحف، وصولاً إلى ترميمه الشامل كأحد أهم المساجد الأثرية.
فى العصر الفاطمي
( التأسيس والازدهار)
كان مركزاً لتدريس المذهب الشيعي ومساعداً لجامع الأزهر
فى العصر الأيوبي والمملوكي
( الانتكاسات والترميم )
تحول لكنيس
تحول جزء منه لكنيسة عام 1167م أثناء محاصرة الصليبيين للقاهرة.
تعرض المسجد لزلزال
تعرض لأضرار جسيمة جراء زلزال عام 1303م وتدمير مآذنه
ترميم الأمير بيبرس الجاشنكير للمسجد
رممه الأمير المملوكي بيبرس الجاشنكير وبنى الأبراج الحجرية حول المآذنتين.
فى العصور المتأخرة
( الإهمال والتحولات العسكرية )
الحملة الفرنسية
اتخذت قوات الحملة الفرنسية(١٧٩٨) بقيادة نابليون بونابرت المسجد مقراً وثكنة لجنودها، واستخدمت مآذنه العالية كأبراج للمراقبة العسكرية والدفاع
أصابه الإهمال
ـ استخدمت أجزاء منه كإسطبل للخيول ومستودعات للتجار في فترات الإهمال
ـ عانى المسجد في فترات لاحقة من الإهمال الشديد، وتحول صحنه المكشوف لسنوات طويلة إلى ملاعب للمدارس المحيطة ومستودعات ومخازن لتجار المنطقة المحيطة به.
العصر الحديث
( إحياء الأثر والترميم الشامل )
ـ أول متحف إسلامي في القاهرة (1881 م)
استُخدم رواق القبلة بالمسجد كأول مقر لجمع التحف والآثار الإسلامية، وعُرف وقتها بـ "دار الآثار العربية" قبل أن يتم نقل المجموعة لاحقاً إلى مبنى متحف الفن الإسلامي الحالي بباب الخلق.
تجديد السيد عمر مكرم للمسجد (أوائل القرن ١٩)
قام السيد عمر مكرم (نقيب الأشراف) بتجديد أروقة إيوان القبلة فيه عام 1808م (أوائل القرن 19 لا أواخر القرن 18) لتُقام فيه الصلاة بعد فترة إهمال واستخدامات عسكرية متعددة، حيث قام بتجديد أربعة أروقة من الإيوان الشرقي، و كسى جدار القبلة بالرخام، وأقام منبراً للصلاة.
طائفة البهرة
أُعيد إحياء المسجد وترميمه بالكامل في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات بواسطة طائفة البهرة بين عامي 1979-1981م، بالفعل تم ترميمه بالجهود الذاتية لطائفة البهرة وذلك لأنه مكان مقدس بالنسبة لهم
تعريف طائفة البهرة
البهرة هم طائفة دينية شيعية إسماعيلية مستعلية، يعود أصلهم التاريخي إلى الدولة الفاطمية في مصر، وانفصلوا إثر الخلاف على الإمامة بعد وفاة الخليفة المستنصر بالله
و استقرت الطائفة بشكل رئيسي في الهند واليمن بعد انتقال مركز دعوتهم من مصر.
كلمة "بهرة" هندية تعني "التاجر"، وسموا بذلك لجهودهم الكبيرة واشتغالهم بالتجارة.
أركان الإسلام عندهم سبعة وليست خمسة، وأبرزها الولاية والطهارة.
يشتهرون بالاهتمام البالغ بالتجارة والأعمال الخيرية وعمارة المساجد التاريخية لآل البيت.
تنقسم الطائفة إلى جماعات رئيسية أبرزها
البهرة الداوودية
والبهرة السليمانية
البهرة العلوية
أعمال التطوير الحالية
وجرت له عمليات تطوير وترميم حديثة شاملة ليعود إلى رونقه الأصلي كمصلى ومعلم سياحي رئيسي
و قام الرئيس الجمهورية وسلطان بورا داود طيف الدين (سلطان البهرة بالهند) بافتتاح جامع الحاكم بأمر الله في القاهرة في 23 فبراير 2023، وذلك بعد انتهاء أعمال ترميم وتطوير شاملة نفذتها وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع طائفة البهرة.
