
الوصف
يُعد جامع الناصر محمد بن قلاوون تحفة معمارية فريدة داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي، ومن أبرز معالم العمارة الإسلامية في العصر المملوكي، وواحدًا من أقدم الجوامع داخل القلعة.
يتميز بتخطيطه المربع، ومئذنتيه النادرتين ذواتي القمة "البصلية"
وقبته المكسوة بالقيشاني الأخضر
إضافة إلى واجهته المعلقة التي تعكس ذروة فنون العمارة في العصر المملوكي بمصر.
من المساجد المعلّقة
يُعد مسجد الناصر محمد بن قلاوون من المساجد المعلّقة تاريخياً، حيث شُيِّد فوق طابق سفلي كان يُستخدم كمخازن، و (مفهوم الجامع المعلق) اى بُني الجامع فوق طابق سفلي ً، مما يجعله ينتمي هندسياً لطراز المساجد المعلقة.
الموقع
يقع في القسم الجنوبي من قلعة صلاح الدين الأيوبي.
يقع مسجد الناصر محمد بن قلاوون في قلب قلعة صلاح الدين بالقاهرة، إلى يسار الداخل من الباب الرئيسي للقلعة.
المهندس المعماري الذي بناه
ابن السيوفى
أشرف على تصميمه المعماري الشهير ابن السيوفي
هو أحد أشهر مهندسي العمارة في العصر المملوكي البحري، وشغل منصب رئيس المهندسين (كبير مهندسي الأبنية) في مصر خلال عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون
هل للمسجد أسماء أخري؟
جامع القلعة
لأنه يقع داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي وكان المسجد الجامع والرسمي لسكانها طوال العصر المملوكي
الجامع الناصري
نسبةً إلى بانيه السلطان الناصر محمد بن قلاوون
جامع الخطبة
لكونه المسجد الرسمي لصلاة الجمعة في القلعة
لمحة تاريخية لتأسيس الجامع
شُيّد المسجد عام ٧١٨ هـ / ١٣١٨ م على يد السلطان الناصر محمد بن قلاوون بعد أن هدم جامعًا قديم
بناه الملك الكامل محمد
ووسع مساحته بضم مبانٍ خدمية مجاورة
وقد اكتمل بناؤه فى وقت قياسي (خلال أربعة أشهر وخمسة وعشرين يومًا) رغم دقته وسُمي حينها بالجامع الناصري.
وفي سنة 1334 هدمه وأعاد بناؤه وتوسيعه ليتسع لنحو 5000 مصلٍ. وقرر تدريس الفقه به.
شُيّد هذا المسجد ليكون الجامع الرسمي والملكي للقلعة طوال العصر المملوكي، حيث كان السلاطين يؤدون فيه صلاة الجمعة.
ظل المسجد الرئيسي للقلعة حتى شيد محمد علي باشا جامعه الشهير في الجهة المقابلة له.
التخطيط المعماري والهندسي
ويتميز المسجد بتصميمه الكبير، إذ تبلغ أبعاده ٦٣×٥٧ متراً .
ويضم صحنًا مكشوفًا تتوسطه أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة.
يضم الرواق أربعة صفوف من البوائك، كل بائكة منها تحتوي على عشرة أعمدة من الجرانيت الأحمر، تعلوها عقود حدوة الفرس.
ويُزين واجهة المحراب قبة شاهقة تُعد من روائع القباب المملوكية، تقوم على رقبة مزودة بـ١٢ نافذة بزخارف جصية مفرغة.
كما يحتوي جدار القبلة على ثلاثة محاريب مكسوة بالرخام الملون والمطعّم بالصدف، أكبرها المحراب الرئيسي.
وتعلو الأعمدة فتحات تهوية وإضاءة مقوسة،
وتُغطى الأروقة بأسقف خشبية مطلية ومزخرفة بزخارف مثمنة مستوحاة من عمارة قبة الإمام الشافعي.
يضم المسجد التالي
1- الأعمدة الأثرية المتنوعة
ـ تتميز الأعمدة الأثرية في جامع الناصر محمد بن قلاوون بكونها مجموعة أثرية متنوعة ومجلوبة من عمائر وحضارات سابقة، حيث أعيد استخدامها في العصر المملوكي كجزء من فلسفة البناء السائدة آنذاك لتزيين بيوت الله بأفخم المواد التاريخية المتاحة.
ـ يحتوي المسجد على 72 عموداً أثرياً وزعت بشكل متناسق و تنتمي إلى فترات تاريخية مختلفة، تشمل العصور الفرعونية، والبطلمية، والرومانية، والبيزنطية، والقبطية.
ـ بسبب جلبها من مواقع مختلفة، تلاحظ تبايناً طفيفاً في أطوال وأقطار الأعمدة، وتم التغلب على هذا الاختلاف معمارياً بوضع قواعد ذات ارتفاعات متفاوتة ليتساوى منسوب العقود.
ـ نظراً لكون بعض هذه الأعمدة مجلوبة من كنائس وأديرة قديمة مهجورة، تظهر على أبدان وتيجان بعض الأعمدة بقايا حفر لرموز مسيحية كالصلبان، وهو ما يعد دليلاً أثرياً واضحاً على إعادة استخدام المواد وتسامح العمارة الإسلامية التي أبقت عليها دون طمس كامل لأثرها التاريخي.
التيجان الزخرفية الموجودة فوق الأعمدة
تختلف التيجان فوق هذه الأعمدة بشكل ملحوظ؛ فبعضها يحمل نمطاً كورنثياً كلاسيكياً مليئاً بأوراق الأكانثوس النحتية، والبعض الآخر يحمل نقوشاً وهندسة إسلامية طُوعت لتلائم العقود الحاملة للسقف.
2- المنبر
ـ المنبر الحالي الموجود في جامع الناصر محمد بن قلاوون ليس المنبر الأصلي، بل هو منبر خشبي صُنع عام 1949م بأمر من الملك فاروق الأول.
ـ حيث قامت لجنة حفظ الآثار العربية بصناعته ليعاد وضعه في المسجد بعد عمليات ترميم واسعة لإزالة التعديات التي لحقت بالجامع أثناء الاحتلال البريطاني.
ـ صُنع المنبر من الخشب المطعّم بالعاج والصدف على طراز مملوكي فاخر.
وجاء تصميمه مماثلاً ومستوحى من منبر جامع الطنبغا المارداني الشهير بمنطقة باب الوزير.
ـ يحمل المنبر نصاً تذكارياً كُتب فيه: "أمر بعمل هذا المنبر المبارك حضرة صاحب الجلالة الملك الصالح فاروق الأول".
3- القبة الخضراء
(شبه المسجد النبوي)
تعلو محراب الجامع قبة ضخمة مغطاة بالخزف الأخضر من الخارج تشبه قبة المسجد النبوي الشريف.
وتحملها عشرة أعمدة جرانيتية ضخمة.
تزين القبة من الداخل آيات قرآنية وشريط كتابي يحمل اسم وألقاب الناصر محمد وتاريخ التجديد.
كما يزين المحراب بأشرطة من الرخام الدقيق الملون والصدف، المحفور بأساليب هندسية متداخلة تعكس ذروة الفن المملوكي البحري.
للمسجد مئذنتان
يضم المسجد مئذنتين فريدتين بقمتين بصلية الشكل، مكسوتين من الخارج ببلاطات القيشاني الأخضر
وهو أسلوب معماري نادر في القاهرة يعكس التأثيرات المغولية الوافدة من المشرق الإسلامي.
المئذنة الأولى
تقع أعلى المدخل الغربي، وهي مئذنة ضخمة مكونة من دورات أسطوانية مزيّنة بمقرنصات وقيشاني أزرق وأخضر يحمل آيات قرآنية.
المئذنة الثانية
في الزاوية الشمالية الشرقية، بتكوين ثلاثي الطوابق يعلوها جوسق وخوذة مزخرفة.
المدخل الرئيسي
للجامع ثلاثة مداخل أبرزها البوابة الغربية الرئيسية
تعد البوابة الغربية المقابلة لمسجد محمد علي هي المدخل الرئيسي.
وتمتاز بعقدها الحجري الضخم الغائر، وتحمل شريطاً كتابياً محفوراً بخط الثلث المملوكي يضم اسم السلطان الناصر محمد وتاريخ البناء.
الأسقف
تتميز أسقف جامع الناصر محمد بن قلاوون بقلعة صلاح الدين في القاهرة بأنها أسقف خشبية فريدة مصممة على هيئة قصع كروية . هذه القصع محاطة بزخارف وأشكال هندسية متداخلة تعكس طراز العمارة الإسلامية والمملوكية، وقد تم ترميمها بعناية من قِبَل إدارة حفظ الآثار العربية.
(القصع الكروية) هى تجاويف خشبية دائرية تضفي عمقاً هندسياً وجمالياً على السقف.
الشرفات المسننة
تتوج جدران الجامع الخارجية من الأعلى شرفات حجرية مكررة على شكل "المقرنصات" أو أشكال نباتية مسننة لحماية السقف وإعطاء مظهر جمالي.
النوافذ الطولية المعقودة
تحتوي الواجهات على صفين من النوافذ الجصية المعشقة بالزجاج الملون، لكفالة الإضاءة والتهوية، حيث تنتهي النوافذ العلوية بعقود نصف دائرية (مستوحاة من العمارة الأيوبية والفاطمية).
مزاولة شمسية
ويوجد في الرواق الغربي مزولة شمسية من عمل أحمد بن بكتمر الساقي، استُخدمت لتحديد أوقات الصلاة.
الواجهات
الواجهات الخارجية حجرية خالية من الزخارف والنقوش تم بناؤها من
الحجر النحيت و شُيدت الواجهات بالكامل من الحجر المستورد والمنحوت بدقة، وتتميز بخلوها من الزخارف المعقدة مقارنة بالمساجد المملوكية الأخرى، وذلك ليتماشى مع الطبيعة العسكرية الحصينة لقلعة الجبل.
تاريخ اعمال الترميم والتطوير التي خضع لها جامع محمد بن قلاوون
خضع جامع الناصر محمد بن قلاوون بقلعة صلاح الدين بالقاهرة لعدة أعمال ترميم وتجديد محورية عبر تاريخه الطويل، بدأت منذ العصر المملوكي وصولاً إلى التحديثات الجارية حالياً.
فيما يلي التسلسل التاريخي لأبرز أعمال الترميم والتطوير التي مر بها الجامع
فى العصر المملوكي والتحولات المبكرة
ـ فى عام 1335م (735هـ) قام السلطان الناصر محمد بن قلاوون نفسه بهدم أجزاء من المسجد الأول الذي بناه عام 1318م.
ـ أعاد بناءه وتوسيعه بشكل أكبر ليخلق توازناً معمارياً مع الإيوان الناصري الضخم المواجه له، ليتسع المسجد حينها لنحو 5 آلاف مصلٍ.
ـ فى عام 1519م أُعيد بناء سقف إيوان القبلة والقبة بعد تعرضهما للاحتراق عام 1517م جراء المعارك الأخيرة بين المماليك (بقيادة الأشرف طومان باي) والسلطان العثماني سليم الأول.
فترة التدهور والاحتلال البريطاني
العصر العثماني
ـ عانى الجامع من الإهمال الشديد بعد بناء المساجد الأخرى، وتهدمت قبته الرئيسية وضاع منبره الأصلي.
ـ فى عام 1882م استخدمت قوات الاحتلال البريطاني المسجد كسجن ومخازن لمهمات الجيش، مما تسبب في تدمير أجزاء واسعة من نقوشه وأرضياته.
ترميمات القرن العشرين (لجنة حفظ الآثار العربية)
بين عامي 1931 و1933م
ـ تولت لجنة حفظ الآثار العربية عملية ترميم شاملة لإنقاذ الجامع. شملت الأعمال تدعيم أعمدة وجدران الإيوان الغربي، وإصلاح الشبابيك الجصية والمحراب.
عام 1947 – 1948م قامت اللجنة بإعادة بناء القبة الكبيرة المواجهة للمحراب
كست الأرضية بالحجر الجيري كبديل مؤقت للرخام المفقود، وتم تزويد المسجد بـ منبر خشبي جديد مطعم بالعاج والصدف يحمل اسم الملك فاروق.
عامي 1983 و1984م نفذت هيئة الآثار المصرية مشروع ترميم وصيانة شامل للمسجد ضمن خطة تطوير المباني الأثرية داخل قلعة صلاح الدين.
الترميمات الحديثة (المجلس الأعلى للآثار)عام 2023 م
أطلق المجلس الأعلى للآثار مشروعاً دقيقاً لصيانة الأسقف الخشبية المزخرفة، وتنظيف وترميم المنبر الخشبي والتنور النحاسي.
عام 2024 م عاودت الفرق الأثرية التابعة لوزارة السياحة والآثار أعمال الترميم الدقيق بالجامع بعد حسم بعض الخلافات والآراء الفنية والهندسية من خلال لجان مشتركة من الأكاديميين والمتخصصين لضمان الحفاظ على الهوية المعمارية المملوكية للجامع.
