تفتي بعض الجماعات الإسلامية بجواز الخروج على الحاكم، حيث تجد الواحد من هؤلاء المتشددين يأمر المسلمين ويحثهم على أن يثوروا على الحاكم ويزيلوه، ويبدأ بسرد الآيات والأحاديث وأقوال العلماء في وجوب مقاتلة الحكام الذين يصفونهم بالظلم وعصيانهم من دون فهم لمعناها، ويقول: لا سمع ولا طاعة لمن عصى الله ورسوله، كل ذلك مع إثارة عواطف الناس وتأليبهم على وليِّ الأمر لتبدأ بعد هذا سلسلة المفاسد العظيمة التي لا تنتهي، هذا و والظلم الذي يدعيه هؤلاء المتشددون في أحاديثهم وكلامهم هو ما فعله حكام المسلمين بالوقوف أمام أفكار هؤلاء المتشددين المنحرفة والمتطرفة، والتصدي لإرهابهم، وحماية الناس منهم، فهؤلاء المتطرفون حملوا للناس أفكارًا خبيثة؛ من تكفير المسلمين الذين يخالفونهم فكريًّا وأيدلوجيًّا، انطلقوا من هذا الحكم إلى استباحة ما حرم الله ورسوله، لكن وقف حكام المسلمين تنفيذًا للأمر النبوي، واقتداء بالخليفة الراشد الإمام علي رضي الله عنه- أمام خططتهم ومشاريعهم الضالة وتشويههم للدين، وما أقاموا فيهم إلا حدَّ الله تعالى، إذ حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا، فقتلوا وسرقوا واغتصبوا الأموال بل والأعراض فكانت سنة الله فيهم أن تقطع نبتتهم الخبيثة، وكان ذلك على يد حكام المسلمين، فهاهم يقتلون الناس في مساجدهم، وفي طريقهم، بل وفي بيوتهم، يقتلون من لهم العهد والأمان، يقتلون النساء والصبيان ويسترقونهم، ويطلقون على ذلك اسم الجهاد أو (الغزوة)، وما هي إلا نزوة شيطانية، أي ظلم يدعون وقد شوهوا صورة الإسلام المشرقة وظلموه بأفعالهم النكراء من تمثيل بجثث الناس، وإبادات جماعية وغير ذلك من جرائم، ثم يقولون إنهم الإسلام الحقيقي، فلما وقف الحكام أمام فعلهم قالوا عليهم ظلمة يجب الخروج عليهم. دعنا نستعرض بعض الأحكام الإسلامية في هذا السياق...
أحكام حول الحاكم نفسه
أ - هل يجب إقامة الشعائر مع الحاكم غير العادل أم لا؟
وجوب إقامة الحج والجهاد والجمعة والعيدين مع الأئمة وإن كانوا فسقة، لأنه حق لله، لا يمنعه جور جائر، ولا عدل عادل.
ب - حُكم من خرج علي الحاكم المُقصر
أما الإمام المقصر وهو الذي يصدر منه مخالفات عملية، أو تساهل في الالتزام بأحكام الشرع، فهذا تجب طاعته ونصحه وعليه تحمل أحاديث: فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة ـ وما في معناها، وأن الخروج عليه حرام، وإذا كان باجتهاد فهو خطأ
بمعني
- يكره ما يأتيه هذا الحاكم من معصية
- لا ينزع المسلم يده من طاعة الإمام
- الخروج عليه حرام
- إن ثَم اجتهاد بوجوب الخروج عليه فهو اجتهاد خاطيء
جـ - التعامل مع الحاكم الفاسق والظالم والمبتدع
وهو المرتكب للمحظورات والكبائر دون ترك الصلاة لا سيما ظلم الحقوق أو دعوة إلى بدعة فهذا يطاع في طاعة الله ويعصى مع الإنكار عليه في المعصية، ويجوز عزله إن أمكن بإحدى الطرق السلمية السابقة ـ عدا السيف ـ بشرط ألا يترتب على ذلك مفسدة أكبر، فإن لم يكن ذلك وجب المبالغة في الإنكار عليه والتحذير من ظلمه وبدعته حتى لو أدى الأمر إلى الاعتزال عن العمل معه والتعرض لأذاه بشرط ألا يكون سبب ذلك حقًا شخصيًا وعلى هذا تحمل أحاديث: من جاهدهم بنفسه فهو مؤمن ـ وحديث: من دخل عليهم وأعانهم على ظلمهم ـ وما في معناها مع حديث: فاصبر وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ـ وعلى هذا تحمل أيضًا أقوال الأئمة الأربعة ونحوهم وأفعالهم، وما أصابهم بسبب ذلك من محن.
هـ - الحاكم الكافر والمرتد
وفي حكمه تارك الصلاة ونحوه، فهؤلاء يجب الخروج عليهم ولو بالسيف إذا كان غالب الظن القدرة عليهم، عملاً بالأحاديث: لا، إلا أن تروا كفرًا بواحًا ـ ولا ما أقاموا فيكم الصلاة ـ وما قادوكم بكتاب الله ـ ونحوها مع الآيات والأحاديث الآمرة بمجاهدة الكفار والمنافقين، لتكون كلمة الله هي العليا، أما إذا لم يكن هناك قدرة على الخروج عليه فعلى الأمة أن تسعى لإعداد القدرة والتخلص من شره... اهـ.
أحكام المحكوم (المواطن) تجاه الحاكم
تحريم الخروج على الإمام العادل سواء كان الخارج عادلاً أم جائرًا، وإن ذلك مما نهى عنه الإسلام أشد النهي وأمر بطاعتهم، ومن خرج عليهم فهو باغ، وعليه تحمل الأحاديث المطلقة في السمع والطاعة.
أقوال العلماء في الخروج علي الحاكم الظالم/الفاسق/الكافر
قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم
ترك القتال وعدم الخروج
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية
كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة
مذهب الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما
وهم: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبو بكرة ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ وهو: مذهب الحسن البصري والمشهور عن الإمام أحمد بن حنبل وعامة أهل الحديث... هذا، وقد ادعى الإجماع على ذلك بعض العلماء كالنووي في شرحه لصحيح مسلم، وكابن مجاهد البصري الطائي فيما حكاه عنه ابن حزم، ولكن دعوى الإجماع فيها نظر، لأن هناك من أهل السنة من خالف في ذلك. اهـ
في مجموع الفتاوى(( مذهب أهل الحديث))
ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يستراح من فاجر. هذا وقد بحث هذه المسألة تفصيلا الدكتور عبد الله الدميجي في رسالته العلمية: الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة ـ فقال: ذهب غالب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا يجوز الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف ما لم يصل بهم ظلمهم وجورهم إلى
الكفر البواح
أو ترك الصلاة والدعوة إليها
أو قيادة الأمة بغير كتاب الله تعالى
أجمع العلماء علي أنه
يحرم النهي عن منكر بمنكر أكبر منه، حيث انهم يقولون: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب باليد وباللسان وبالقلب بشرط: القدوة والاستطاعة، وأنه: لا يجوز إنكار المنكر بمنكر أكبر منه.
يقول الإمام الطحاوي
ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة
يقول ابن عبد البر
أما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا عدلًا محسنًا، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء وشنِّ الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك
يقول القاضي عياض
وقال جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام: لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعته؛ للأحاديث الواردة
وأجمع أهل السنة
أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأمَّا الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنَّه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضًا فغلط من قائله مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه.
الدليل من القرآن علي عدم الخروج علي الحاكم
قال تعالي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق، وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله، فإن اختلفتم في شيء بينكم، فأرجعوا الحكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب. ذلك الردُّ إلى الكتاب والسنة خير لكم من التنازع والقول بالرأي، وأحسن عاقبة ومآلا
إطلالة حول الآية الكريمة
يا أيها الذين آمنوا
هذا أمر سماوي فلا تراجع عنه ولا استسلام لهوي نفس
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
الله تعالي وبنفسه هو من قرن الطاعة لله وللرسول وأولي الأمر (الحكام) فأي انفصال عن واحد من الأوامر الثلاثة هو انفصال عن الثلاثة جميعا
فإن تنازعتم في شيء
يقول علم النفس: لا يوجد اثنان في نفس المكان ومر عليهم ثلاثة ايام إلا وكان هناك سبب للتنازع
فردوه إلي الله والرسول
هذا أمر لا علي سبيل استحباب
إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا
وكأن الله تعالي يقول للمؤمنين، إذا أولت القرآن فلا تؤوله علي هواك بل أوله كما أراد اله - سبحانه وتعالي - والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
الدليل من السُنة المُطهرة علي عدم الخروج علي الحاكم
الحديث الأول
يقول ﷺ «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني»
الحديث الثاني
ما روي عن جنادة بن أبي أمية، قال دخلنا على عبادة بن الصامت، وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدِّث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي ﷺ، قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: «أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان»
الحديث الثالث
ما رواه عوف بن مالك رضي الله عنه الله عن رسول الله ﷺ قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة»
الحديث الرابع
ما رواه ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ، قال: «مَن رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنَّه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية»
الحديث الخامس
عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن مَن رضي وتابع» قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا»
الحديث السادس
ما رواه أبو سلام قال: قال حذيفة بن اليمان: قلت: يا رسول الله، إنا كنا بشرٍّ، فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: «نعم»، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: «نعم»، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: «نعم»، قلت: كيف؟ قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع»
الحديث السابع
عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم»
الحديث الثامن
عن أبي هريرة t عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّية يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه»
الحديث التاسع
ما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَن خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».
الدليل الثالث (فقهياً) مبدأ سد الذرائع علي عدم الخروج علي الحاكم
يقول الإمام القرافي
الذريعة الوسيلة للشيء، ومعنى ذلك: حسم مادة وسائل الفساد دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلةً إلى المفسدة منعنا من ذلك الفعل
ويقول الإمام القرطبي
الذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع
قال الإمام الزركشي
فإن المباح إذا أفضى إلى المحظور غالبًا فإنَّ العلماء قد اتفقوا على تحريمه من باب سد الذرائع؛ ولذلك جاء النهي عن سبِّ آلهة الكفار؛ لأنه سيؤدي إلى سبِّ الله سبحانه فحَرُم سدًّا للذريعة قال تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام:108]
الدليل الرابع (مبدأ منع الضرر) علي عدم الخروج علي الحاكم
وقد دل على هذا المبدأ حديث النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» فالضرر يمنع وقوعه ابتداء بنص الحديث، وقد جرت العادة أن الخروج على الحاكم تترتب عليه الكثير من الأضرار التي لا تعد ولا تحصى، ومنع الضرر يكون بمنع قيام سببه، وسبب الضرر في مسألتنا هو الخروج نفسه، ولذلك حرمه العلماء.
قد يقال: إن الضرر واقع على المسلمين بسبب الظلم
والضرر يزال بحسب القاعدة وليس الخروج على الحاكم إلا من قبيل إزالة الضرر. والجواب على هذا: أن الضرر يزال بشرط ألا يترتب على إزالته ضرر أعظم منه، ولهذا نص العلماء على أن الضرر لا يزال بالضرر، وعلى هذا فلا يُرتكب الضرر المترتِّب على الخروج على الحاكم الظالم من أجل إزالة ضرر الظلم الحاصل ببقاء الحاكم، فالضرر لا يزال بالضرر.
الدليل الخامس (قاعدة دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح)
يقول ابن نجيم: فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدِّم دفع المفسدة غالبًا؛ لأنَّ اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذا قال عليه السلام: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ومن ثم جاز ترك الواجب دفعًا للمشقة، ولم يُسامح في الإقدام على المنهيات خصوصًا الكبائر ودفع مفسدة الفتنة المترتبة على الخروج على الحاكم الظالم، مقدم على جلب المصلحة وهو زوال الظلم.
الدليل السادس: قاعدة إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما
وفي مسألتنا هذه يوجد مفسدة عظيمة
الأولى
وقوع الظلم على العباد في حالة السكوت على الحاكم
الثانية
انتشار الفوضى في البلاد في حالة الخروج على الحاكم
ومن البديهي أن المفسدة الثانية أعظم من المفسدة الأولى، فانعدام الأمان في المجتمع يعني تعطل الحياة ووقوع الناس في الحرج والضيق، بخلاف وقوع الظلم الذي لا تتعطَّل معه الحياة، فقال العلماء: ترتكب المفسدة الأخف حتى لا تقع المفسدة الأشد، وقد مرَّ معنا قول ابن تيمية: لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم- أي الحكام الظلمة- بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما...
