
بدء الحكم الإسلامي
من بدايته إلي الدولة الأموية 640-661م
تعد انطلاقة المسلمين من جزيرتهم العربية إلى بلاد الشام والعراق تسجيلاً لصفحة خالدة من صفحات تاريخهم المجيد، وكان ما تحقق على أيديهم في بضع سنين أبعد بكثير من توقعات القادة والخلفاء
استقر المقام بعمرو بن العاص في فلسطين، ثم شعر بالحاجة الماسة لفتح مصر بهدف
تأمين بلاد الشام من الخطر البيزنطي الجاثم فوق أرض مصر، فاستأذن الخليفة عمر بن الخطاب في فتحها، وأذن له بعد تردد
فقصدها عمرو على رأس أربعة آلاف رجل
واستهل أعماله بفتح العريش والفرما وبلبيس، مُلحقاً الهزائم المتوالية بالبيزنطيين الذين انسحبوا إلى حصن بابليون، وبعد حصار دام بضعة أشهر دخل المسلمون إلى مصر وعبروا النيل غرباً وفرضوا الحصار على الإسكندرية إلى أن فتحوها صلحاً سنة 21هـ/641م
تابع عمرو فتوحاته في الجنوب
غير أن ملك الروم الامبراطور قسطنطين استغل انشغال عمرو بن العاص بفتوحاته لتلك المناطق ووجه إلى الإسكندرية حملة بحرية تمكنت من دخول المدينة فنهبتها وقتلت عدداً من سكانها
فعاد عمرو مرة ثانية ودخل الإسكندرية
وهزم البيزنطيين وقتل قائدهم بمساعدة سكانها الأقباط
وقام ببعض الإصلاحات
ورفع المظالم والغرامات التي فرضها الروم على السكان
وعاملهم معاملة حسنة وأعاد مطرانهم بنيامين إلى كرسيه مما استجلب محبتهم ودانوا له بالطاعة والولاء
وفي مدة ولايته أنشأ عمرو بن العاص مدينة الفسطاط
لتكون مقراً لولاة مصر من بعده
وفي عهد عثمان بن عفان جعل على ولاية مصر سنة 23هـ/643م أخاه في الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي السرح
الذي باشر بتوجيه الحملات العسكرية إلى شمال أفريقيا
وفي عهد عبد الله بن أبي السرح وصلت الجيوش الإسلامية إلى دنقلة في السودان سنة 31هـ/651م وصالح أهلها بموجب معاهدة اشتملت بنودها على بعض الاتفاقيات الاقتصادية
وهو أول من فكر بإنشاء أسطول عربي بالتعاون مع والي الشام معاوية بن أبي سفيان
بهدف القضاء
على النفوذ البيزنطي على سواحل المتوسط الشرقية والجنوبية
العصر الأموي
661 -750من
تنبه الأمويون منذ بداية عهدهم إلى أهمية مصر وكونها مع بلاد الشام قادرة على منازلة البيزنطيين الذين استغلوا فترة الحرب الداخلية ما بين علي ومعاوية فكانوا يعاودون الغارة بين الحين والآخر على السواحل الشامية والمصرية
ومن جهة أخرى كانت مصر - منذ تولي معاوية سدة الخلافة - القاعدة الأساسية التي تنطلق منها الجيوش الإسلامية
باتجاه إفريقيا ثم إلى الأندلس فيما بعد، لكن مصر لم تكن موالية دائماً لبني أمية فقد وقف المصريون بعد وفاة يزيد سنة 64هـ/683م إلى جانب عبد الله بن الزبير في مواجهة عبد الملك بن مروان، غير أنهم مالبثوا أن دخلوا في طاعة عبد الملك بعد أن لجأ إلى استمالتهم وتأليف قلوبهم وخصوصاً حينما وليها أخوه عبد العزيز بن مروان، وبالرغم من ذلك كان شيعة علي يتحينون الفرص بين الحين والآخر ليعلنوا تمردهم على سلطان بني أمية، وليس أدل على ذلك من أن مروان بن محمد لم يجد من أهل مصر من يقف إلى جانبه حينما لجأ إليها حتى مقتله سنة 132هـ/750م
العصر العباسي
750-868
وفي العهد العباسي تحولت حاضرة مصر (العاصمة/ المركز الإداري) إلى مدينة المعسكر
ومدينة المعسكر هذه أُنشئت لتكون مقرًا للجيش والإدارة، حيث أنه عندما تولى العباسيون الحكم بعد سقوط الدولة الأموية سنة 750م، نقلوا مركز الحكم في مصر من مدينة الفسطاط إلى مدينة جديدة أقاموها شمالها سُميت العسك، وسميت بهذا الاسم لأنها خُصصت لإقامة الجنود والقادة والإدارة العباسي، التي أنشأها الفضل بن صالح بن علي العباسي
وكان الخلفاء العباسيون يقلدون ولايتها للأكفياء من قادتهم
فقد تولاها إبراهيم بن صالح وحميد بن قحطبة
ومع ذلك لم يستقم أمرها لبني العباس كما كان متوقعاً، إذ شهدت العديد من حركات التمرد، كتلك التي قادها
دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان
وهو من بقايا بني أمية، خرج في صعيد مصر سنة 165هـ/781م على أميرها إبراهيم بن صالح،ومنع الأموال وعظم أمره حتى إنه دعا لنفسه بالخلافة وبايعه كثير من وجوه مصر وكاتبوه لدخول الفسطاط،
كما وقف المصريون إلى جانب العلويين في كثير من المناسبات
وخصوصاً في أثناء الثورة التي قادها محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية وعدت مصر ملاذاً آمناً لبعض من هاجر إليها منهم كإسحاق بن جعفر الصادق الذي لجأ إليها مع زوجه نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وفي الوقت ذاته كانت مصر معبراً آمناً للهاربين إلى المغرب والأندلس سواء كانوا من الأمويين (عبد الرحمن الداخل) أم العلويين (إدريس بن عبد الله) اللذين تمكنا من إقامة دولتين مناهضتين للدولة العباسية في الأندلس والمغرب
ومن جهة أخرى شهد تاريخ مصر في أثناء تبعيتها للخلافة العباسية ظهور بعض القادة المتنفذين أصحاب النزعة الاستقلالية
من أمثال عبد العزيز بن الجارور
الذي فرض سيطرته على الوجه القبلي بالوقت الذي سيطر فيه السري بن الحكم على الوجه البحري، وابن الحكم هذا من القادة الدهاة أصله من خراسان كان أشد فتكاً بأهل مصر، ويروى أن عدداً من أتباعه تمردوا عليه في إحدى المعارك بقيادة أخ له فتغلب عليهم وحملهم جميعاً في مركب وأمر بإغراقهم في النيل
وفي هذه الفترة قدمت مصر قبيلتا لخم وجذام
واستبد رؤساؤهم بالإسكندرية والمناطق الغربية ونجم عن ذلك اضطراب الأحوال الأمر الذي هدد الوضع السياسي والاجتماعي في مصر لو لم يأت الخليفة المأمون نفسه إليها على رأس حملة كبيرة مكنته من إعادة النظام والاستقرار. ومنذ منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي بدأت مصر تتجه نحو الاستقلال مع بقاء تبعيتها شكلاً للدولة العباسية
عقب تعيين أحمد بن طولون والياً على مصر سنة 256هـ/869م بعد وفاة واليها التركي الأصل باكباك (بقبق)
وعلى إثر الحروب التي خاضها ضد البيزنطيين، استطاع أن يضم بلاد الشام إلى مصر، وقد أقره الخليفة على ذلك، وتمكن ابن طولون من إنشاء دولته التي استمرت في أسرته حتى نهاية القرن الثالث الهجري، شهدت مصر في أثنائها ازدهاراً ملحوظاً إذ ينسب لأحمد بن طولون إنشاء
مدينة القطائع التي أصبحت عاصمة له
وقيامه بتشجيع الصناعة والتجارة والزراعة بحيث تحسنت أحوال الناس على اختلاف طبقاتهم
ولقي أهل الذمة معاملة كريمة منهم
فكان المسلمون يحتفلون بأعيادهم (أعياد المسيحين) مثل احتفالهم بعيدي الفطر والأضحى
كما يعزى إلى الطولونيين اهتمامهم بالعلوم والآداب
وكان جامعهم الذي لا يزال شاهداً إلى اليوم هو نفسه المدرسة التي خرّجت أكابر العلماء من أدباء وشعراء وفقهاء
أما في الجانب العسكري فتشير الدراسات إلى
اهتمام أحمد بن طولون بالجيش الذي وصل عدد أفراده إلى ما يزيد على مئة ألف
من العرب
والسودانيين
والأتراك
الذين جُهزوا بأحدث الأسلحة، وكان إلى جانبه أسطول ضخم استحدث له داراً للصناعة في محلة الروضة، ولمع في بلاط الطولونيين من القادة طغج بن جف أبو الإخشيد الذي اتصل بخدمتهم منذ أيام خمارويه بن أحمد، وحقق لهم انتصارات باهرة على الجيوش البيزنطية مهدت له الوصول إلى حكم مصر
العصر الفاطمي
868-905م
نجح الفاطميون بالزحف إلى مصر بعد محاولات عدة أيام المعز لدين الله على رأس جيش يقوده
الذي أمر فور دخوله إليها بإنشاء
مدينة القاهرة
والجامع الأزهر
المعز لدين الله الفاطمي، وهو رابع الخلفاء الفاطميين وأول خليفة فاطمي حكم من مصر بعد
انتقال الدولة الفاطمية إليها
وقد عمل على ترسيخ الحكم الفاطمي ونشر المذهب الإسماعيلي الفاطمي في مصر
ومنعهم من لبس السواد شعار العباسيين
ومن أجل أن يعزز نفوذه فيها حصر الوظائف الهامة بأتباع المذهب الشيعي
فكان ذلك مدعاة لقبول كثيرين من أهل مصر اعتناق هذا المذهب
وكيفما كان فقد تمكن الفاطميون في فترة حكمهم من
القضاء على خصومهم
وظهر منهم خلفاء أكفياء وكانوا على قدر من المسؤولية وحسن الإدارة مثل المعز لدين الله 362- 365هـ/972 -975م، والعزيز بالله 365- 386هـ/975 - 996م
فدانت لهم مصر بالولاء واتسع نفوذهم ليشمل
الحجاز واليمن
في أثناء انشغال الخلافة العباسية بالمشكلات التي كانت تواجهها، ثم إنهم تصدوا للقرامطة حينما انقلبوا عليهم في أعقاب انقطاع الأتاوي التي كانوا يأخذونها من أهل الشام، وتمكن العزيز بالله من هزيمتهم سنة 368هـ/978م لتدخل الشام بالكامل في طاعة الفاطميين، وبلغ الفاطميون ذروة نفوذهم حينما
سُير المستنصر بالله حملة عسكرية إلى بغداد
تمكنت من دخولها وأخرجت خليفتها القائم العباسي من بغداد قسراً سنة 450هـ/1058م وخطب أرسلان بن عبد الله البساسيري أحد دعاة الفاطميين لمولاه المستنصر على منابر بغداد. ويذكر أن المستنصر بقي في سدة الخلافة ستين عاماً وهي فترة لم يسبق لأي من الخلفاء أن عمرها من قبل، غير أن مظاهر الضعف بدأت تظهر في مفاصل الدولة منذ بداية عهده بعد أن أطلق أيدي الوزراء في الإدارة، وبدأت تتلاشى ملامح الأمجاد التي حققها الخلفاء من قبله لتتحول الأوضاع في مصر إلى فوضى عارمة أسهمت في إضعاف بنيتها وشجعت الطامعين بالانفصال عنها، فقد أعلن الحسن بن علي بن باديس الصنهاجي استقلاله بشمالي إفريقيا، وعادت بغداد مرة ثانية لبني العباس، واستقلت بلاد الشام بزعامة آل مرداس والحمدانيين بالوقت التي أخذت تزداد فيه هجمات النورمانديين Normans على السواحل الخاضعة للسيادة الفاطمية في شمالي إفريقيا وأصبحت حال الخلفاء في مصر كحال خلفاء بني العباس في العراق يقنعون بما يمنح لهم من قبل الوزراء، والجدير بالذكر أن عصر الوزراء في مصر بدأ ببدر الجمالي وهو أرمني قدم مصر في عهد المستنصر في ثوب زائر ثري استدعاه المستنصر في آخر عهده ليتغلب على المصاعب التي كانت تواجهه بيد أن هذا الوزير مالبث أن استبد بالأمر، وجاء من بعده ولده الأفضل ثم حفيده أحمد بن الأفضل، وتتابع مسلسل الوزراء المستبدين وتلقب بعضهم بألقاب ملكية كرضوان الوحشي وطلائع بن زريك اللذين مهدا للتدخل الأجنبي في شؤون مصر
وكان من نتائج هذا التدخل أن استعان الوزير شاور بنور الدين زنكي. في حين استعان الوزير ضرغام بن عامر بالصليبيين وانتهى الأمر أخيراً بمقتل ضرغام سنة 559هـ/1163م على أيدي المصريين ومقتل شاور سنة 564هـ/1168م على يد صلاح الدين الأيوبي
ترك الفاطميون بعد ما يزيد على مئتي عام في حكم مصر
حضارة واضحة المعالم انصب اهتمامهم في المقام الأول على تنظيم الفكر الشيعي ونشره على أوسع نطاق، من جهة أخرى كان قصر الحاكم بأمر الله صاحب الشخصية المضطربة مركزاً لتيارات فكرية مختلفة تظهر واقع المجتمع الإسلامي والظروف التي كانت تمر بها الأمة في مشرقها ومغربها وكان وراء تلك التيارات عناصر
شيعية
سنية
مسيحية
يهودية
لا دينية
هذا وقد مثلت دار الحكمة التي أنشأها الحاكم
الجامعة التي استقطب إليها العلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي للبحث والتدريس والتأليف بمختلف العلوم والفنون ومن أبرز الشخصيات التي أمّت بلاط الحاكم بأمر الله ا
الفلكي الشهير
علي بن يونس
عالم الطبيعيات والبصريات
الحسن بن الهيثم
المؤرخ
ابن زولاق
الشاعر
ابن هانئ الأندلسي وعمارة اليمني
ولعل من ألمع الشخصيات التي عاصرت الحكم الفاطمي في سورية
الشاعر الفيلسوف أبا العلاء المعري الذي رفض بإباء ما قدمه إليه قائد جيش المستنصر بالرغم من فقره المدقع
أما على صعيد البناء والعمران
فقد ترك الفاطميون آثاراً خالدة يأتي في مقدمتها كما سبق
مدينة القاهرة
الجامع الأزهر
وما الأبواب التي لاتزال ماثلة إلى اليوم (باب زويلة - باب النصر- باب الفتوح) سوى نماذج من تلك الآثار الفنية الرائعة التي جعلت مصر تحتل مرتبة متقدمة في هذا المجال
العصر الأيوبي
بوفاة الخليفة الفاطمي العاضد سنة 567هـ/1171م
والتي تلتها وفاة نور الدين زنكي 570هـ/1174م
أصبح صلاح الدين الأيوبي الذي قدم مصر مع عمه أسد الدين شيركوه سلطاناً عليها
فاستقل بها مع اعترافه بالتبعية للخليفة العباسي. في هذا الوقت كانت بلدان المشرق العربي تشهد فراغاً سياسياً بعد وفاة نور الدين بسبب الانقسامات بين القادة والمتنفذين وكان الصليبيون يراقبون مايجري عن كثب ويتحينون الفرص المواتية للتدخل. فلم يكن أمام
صلاح الدين سوى أن يزحف الى الشام لبناء قاعدته الداخلية
فتوجه إليها وضمها إلى مصر
ثم تابع معاركه ضد المعارضين إلى أن بلغ الموصل شرقاً ثم اتجه إلى إفريقيا فأرسل حملة مكنته من الاستيلاء على سواحلها الشمالية واسترداد قابس من النورمانديين
وبعث بحملة أخرى إلى السودان
فضمها إلى ممتلكاته وأرسل أخاه طوران شاه إلى اليمن فدخلها وضمها مع الحجاز إلى دولته التي أصبحت في نهاية عام570هـ/1174م قوة إقليمية وسط صخب الأحداث التي كانت تشهدها المنطقة، وبعد أن اطمأن إلى وضعه الداخلي وجه اهتمامه إلى تحرير بلاد الشام من القوى الصليبية وتم على يديه تحقيق النصر الكبير في حطين سنة 583هـ/1187م وأخرج الصليبيين من بيت المقدس وبعض المدن والحصون في سواحل بلاد الشام، ومع أن الصليبيين حاولوا غزو مصر أكثر من مرة بهدف إضعافها غير أن صلاح الدين كان على الدوام يتصدى لمحاولاتهم ويحبط خططهم فكان الجهاد من أبرز سمات عصره
ولكن بعد وفاته سنة 589هـ/1193م
تقطعت أوصال دولته بسبب الشقاق الذي شجر بين إخوته وأبنائه فقام شقيقه الملك العادل، بفرض سيطرته على مصر التي استمر حكمها في أبنائه وأحفاده حتى نهاية العصر الأيوبي
كانت مصر بعد وفاة صلاح الدين
هدفاً للحملات الصليبية المتتالية
وكان خلفاء صلاح الدين يتصدون لها باستمرار، غير أن الحدث الأبرز في تلك المواجهات كانت عندما تصدى الملك الصالح نجم الدين أيوب مع مماليكه للحملة الصليبية السابعة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع الذي قرر احتلال مصر لاعتقاده أن استرجاع بيت المقدس لايمكن أن يتحقق إلا بالقضاء على قوتها، وفعلاً استطاعت هذه الحملة أن تصل إلى دمياط لكنها منيت بهزيمة كبرى في المنصورة سنة 647هـ/1249م ومع أن الصالح أيوب أدركته الوفاة في أثنائها، فإن شجرة الدر كتمت نبأ وفاته وتابع مماليكه الحرب بقيادة ولده طوران شاه وألحقوا الهزيمة بالصليبيين بعد قتل وأسر عدد كبير منهم، وكان من بين أسراهم قائد الحملة نفسه لويس التاسع الذي لم يسرح إلا بفدية كبيرة مع الالتزام بألا يعود إلى مثلها في قادم الأيام.
شكل المماليك الذين جلبهم سلاطين الدولة الأيوبية معظم الجيش الذي اعتمدوا عليه في منازلة خصومهم، وبعد وفاة السلطان نجم الدين أيوب استأثر هؤلاء بالحكم إثر مقتل ولده توران شاه، واتفقت كلمتهم على تولية شجرة الدر عرش السلطنة، لكن هذا الإجراء لقي معارضة من جانب بعض المحافظين الذين استنكروا أن تلي أمر المسلمين امرأة فتزوجت شجرة الدر أتابك الجيش (قائده) عز الدين أيبك ليكون ستاراً تحكم من خلاله، غير أن أيبك استبد بالأمر وانفرد بالسلطة دونها فسعت إلى اغتياله لكن مماليكه قتلوها بالوقت الذي كان فيه المغول يكتسحون أقاليم الخلافة العباسية من جهة الشرق، فحزموا أمرهم واختاروا المظفر قطز ليكون سلطاناً على مصر
المماليك البحرية
ينتمي المماليك إلى أعراق مختلفة، لكن غالبيتهم من الأتراك والشراكسة، وفيهم بعض الروم والأكراد والأوربيون، جيء بهم للتجنيد على فترات من شبه جزيرة القرم، والقوقاز، والقبجاق، وآسيا الصغرى، وتركستان، وبلاد ماوراء النهر. وقد اتفق المؤرخون على أن المماليك صنفان عرف الصنف الأول باسم المماليك البحرية، أو الأتراك؛ عرفوا بهذا الاسم لأن إقامتهم كانت بجزيرة الروضة في النيل قبالة القاهرة. حكمت هذه الجماعة مصر بالفترة مابين 655-784هـ/1257- 1382م. وبلغ عدد سلاطينها أربعة وعشرين سلطاناً، بدأت بعز الدين أيبك وانتهت بالسلطان حاجي بن شعبان، من أحفاد الناصر قلاوون.
المماليك البرجية
أما المجموعة الثانية فتعرف بالمماليك البرجية؛ لأن الأشرف خليل بن قلاوون أسكنهم في أبراج قلعة القاهرة وهم من الشراكسة، بدأ حكمهم بفرج بن برقوق وانتهى بمقتل السلطان الثالث والعشرين طومان باي سنة 923هـ/1517م. وعلى العموم يمكن القول إن دولة المماليك كانت امتداداً للدولة الأيوبية من حيث الإدارة والنهج، وفي مدة حكمهم في مصر خضعت لهم بلاد الشام والحجاز وبعض سواحل اليمن، وتصدوا للمغول وانتصروا عليهم في معركة عين جالوت الشهيرة 658هـ/1260م، وأخرجوهم من بلاد الشام ثم تصدوا للصليبيين من بعدهم واستردوا منهم بعض المدن الساحلية، ومنها كانوا يشنون الحملات على القواعد والإمارات الصليبية إلى أن قضوا على وجودهم نهائياً سنة 692هـ/1292م. وبعد نجاح البرتغاليين باكتشاف رأس الرجاء الصالح تصدوا لطلائعهم التي وصلت إلى سواحل شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، غير أنهم أخفقوا في مواجهتها لأن دولتهم آنذاك كانت على وشك السقوط في أعقاب هزيمتهم أمام العثمانيين في معركة مرج دابق سنة 922هـ/1516م ليسدل الستار على الدولة المملوكية في أعقاب معركة الريدانية سنة 923هـ/1517م.
قيام دولة المماليك في مصر
بعد وفاة السلطان الأيوبي الملك الصالح أيوب، ازدادت قوة المماليك تدريجيًا، حتى تمكنوا من السيطرة على مقاليد الحكم. ويعد خط المماليك البشرويين (الذين حكموا من 1250 إلى 1382م) هو البداية الفعلية لدولة المماليك في مصر.
أ
أبرز المراحل في تأسيس الدولة المملوكية في مصر
معركة المنصورة 1250م
لعب المماليك دورًا حاسمًا في هزيمة المغول الصليبيين، ما أكسبهم مكانة قوية في المجتمع المصري
تولي سيف الدين قطز الحكم
أصبح أول سلطان مملوكي حقيقي في مصر، ونجح في توحيد المماليك وتنظيم الجيش، ليبدأ عهد المماليك الباشاقية
توحيد السلطة السياسية
استطاع المماليك السيطرة على القاهرة ودمجها مع قوة الجيش، ليصبح الحكم المملوكي مستقلاً تمامًا عن الخلفاء العباسيين
التنظيم السياسي والإداري
اعتمدت الدولة المملوكية على نظام مركزي قوي يسيطر على جميع شؤون الدولة. كان السلطان في قمة السلطة، ويتبعه مجلس من كبار الجنود والمماليك الذين يشغلون مناصب مهمة مثل
الشيخ الأشراف
مسؤولي الأراضي والإدارة المحلية
الامير الكبير
قائد الجيش ونائب السلطان في المعارك
المفتش العسكري
مراقبة التدريب والانضباط داخل الجيش
نظام الاقطاع العسكري
حيث كان يتم منح الجنود أراضي في مقابل الخدمة العسكرية، مما ضمن ولاءهم للسلطان
القوة العسكرية للمماليك
عرفت دولة المماليك بقوتها العسكرية الهائلة، التي جعلتها تنافس أقوى جيوش العالم آنذاك. كان الجيش المملوكي يعتمد على
فرسان الخيل الثقيلة
المدربين على القتال باستخدام السيوف والرماح
المشاة المدربة
مسلحون بالقوس والنشاب والأسلحة البيضاء
المدفعية المبكرة
التي تم تطويرها لاحقًا لمواجهة الغزاة والمغول
أبرز الانتصارات العسكرية
معركة عين جالوت 1260م
هزيمة المغول ووقف تمددهم في الشرق الأوسط، وهو الانتصار الذي وضع مصر على الخريطة كقوة عسكرية عالمية
مواجهة الصليبيين
طرد الصليبيين من معظم المدن الساحلية في فلسطين ولبنان، ما أكسب المماليك سمعة كبيرة في العالم الإسلامي
الحروب ضد الدولة العثمانية والمماليك الداخلية
على الرغم من صعوبة السيطرة، إلا أن المماليك حافظوا على استقلال مصر لأكثر من قرنين
الثقافة والعمارة في العصر المملوكي
لم يقتصر دور المماليك على القوة العسكرية فقط، بل أسسوا حضارة ثقافية وفنية بارزة. في القاهرة، أصبحت المساجد والمدارس والمستشفيات والقصور شاهدة على عظمة هذا العصر.
أبرز الإنجازات الثقافية
المساجد والمآذن
مثل مسجد السلطان حسن ومسجد قلاوون، اللذان يظهران براعة المماليك في العمارة الإسلامية
المدارس العلمية
أسسوا مدارس لتعليم الفقه والحديث واللغة العربية، وبرزت القاهرة كمركز علمي هام
الخط والفنون
ازدهرت الخطوط العربية والزخارف المعمارية المميزة، وأصبح للفن المملوكي أسلوبه الفريد
نهاية دولة المماليك
على الرغم من قوتها، إلا أن الدولة المملوكية واجهت تحديات كبيرة من الداخل والخارج، والتي أدت في النهاية إلى سقوطها.
أسباب السقوط
الضعف الداخلي
الانقسامات بين المماليك والأمراء، والفساد الإداري، واستمرار الصراعات على السلطة
التهديد الخارجي
صعود الدولة العثمانية، التي امتلكت جيشاً حديثاً وتقنيات متقدمة
معركة الريدانية 1517م
حيث هزم العثمانيون المماليك بقيادة السلطان قانصوه الغوري، وانتهت بذلك الدولة المملوكية في مصر، وأصبحت مصر جزءًا من الإمبراطورية العثمانية.
إرث المماليك
رغم انهيار دولتهم، ترك المماليك إرثًا عظيمًا في مصر والعالم الإسلامي
العمارة والفنون
لا تزال القاهرة تحوي عشرات المعالم المملوكية التي تجذب السياح والباحثين
النظام العسكري
شكلوا نموذجًا فريدًا في تنظيم الجيش والإدارة العسكرية
الهوية الثقافية
ساهموا في الحفاظ على الإسلام والفكر العربي في مصر وبلاد الشام
ماذا تعرف عن مصطلح (الفترة الذهبية للمماليك)؟
تاريخ دولة المماليك في مصر يمثل فترة ذهبية من القوة العسكرية والازدهار الثقافي والسياسي
لقد أثبت المماليك أنهم ليسوا مجرد جنود عبيد، بل قادة وحكام قادرون على تشكيل دولة قوية ومزدهرة. من نشأتهم كعبيد إلى صعودهم كحكام عسكريين، مرورًا بالمعارك الكبرى والانتصارات، وانتهاء بسقوطهم أمام الدولة العثمانية، يظل التاريخ المملوكي شاهداً على عبقرية التنظيم العسكري والحضاري
